ابن يعقوب المغربي

531

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

وأما في الثاني : فلأن تفصيل الشيء يناسب بعد إجماله ولو اقترن الحكمان ، وكذا " ثم " قد تكون لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها ، ولو اقترن مضمونهما كما في قوله تعالى اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ " 1 " فإن الاستغفار مع التوبة التي هي الانقطاع إلى أمر اللّه - تعالى - بترك المعصية يقترنان ، وربما سبقت التوبة فعطفت التوبة على الاستغفار ب " ثم " إيماء إلى أن منزلة الانقطاع إلى اللّه - تعالى - بالمعنى المذكور أعلى من الاستغفار باللسان ، وقد تكون لمجرد التدرج في درج الكمال ، وبيان الحال الذي هو الأولى من ذلك الكمال بالتقديم كقوله " 2 " : إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد بعد ذلك جده فإن سيادة الجد والأب سابقتان ؛ لكن أتى بثم لتدرج الممدوح بمدارج الكمال مع بيان الأولى منها بالتقديم ؛ لأن الأولى بالإنسان سيادته ثم تليه سيادة أبيه ، ولو كان سيادة الكل مدحا له فتقرر بهذا أن العطف بغير الواو موجب لحصول فائدة تغنى عن طلب خصوصية جامعة بين المتعاطفين ، وتلك الفائدة هي حصول معاني تلك الحروف بخلاف العطف بالواو ، فليس فيه إلا مجرد الاشتراك ، فإن كان للجملة الأولى محل من الإعراب ظهر المشترك فيه وهو الحكم كما في المفردات فتقرر للعطف بها فائدة ، وإن لم يكن لها محل لم يظهر المشترك فيه فاحتيج إلى جامع مخصوص يكون مشتركا بين الجملتين جامعا لهما وإنما قلنا مخصوص ؛ لأنه لا يكفى مطلق الجامع ، والأصح العطف في كل شيء ، وذلك الجامع يتوقف على معرفة كمال الانقطاع ، وكمال الاتصال ، وشبه كل منهما ، والتوسط والتفريق بين هذه من أدق الأمور ؛ ولذلك قيل : إن باب الفصل والوصل هو مرجع البلاغة بالمعنى ، إذ في قوة مدركه الصلاحية لإدراك ما سواه ، ولصعوبته قيل : إن فيه تسكب العبرات ، ولكن هذا الكلام مشتمل على ما يقتضى كون الجملة التي لها محل من الإعراب غير مفتقرة إلى جامع ، وقد تقدم ما يخالف ذلك ، وقد يجاب بأن مقتضاه عدم الافتقار إلى الجامع الذي يحتاج فيه إلى معرفة كمال

--> ( 1 ) هود : 90 . ( 2 ) البيت لأبي نواس في ديوانه ( 1 / 355 ) ، وخزانة الأدب ( 11 / 37 ، 40 ، 41 ) والدرر ( 6 / 93 ) ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ( 428 ) ، وجواهر الأدب ص ( 364 ) ، ورصف المباني ص ( 174 ) ، ومغنى اللبيب ( 1 / 117 ) .